مع الانتشار الواسع للمحتوى الصحي على الإنترنت، أصبح من السهل على أي شخص الوصول إلى نصائح طبية وتغذوية بضغطة زر. لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعلومات بحد ذاته، بل في مصدرها ومدى دقتها. من بين الأسماء البارزة في هذا المجال يبرز الدكتور بيرج "Eric Berg"، الذي يقدّم محتوى صحياً يتابعه الملايين حول العالم، بما في ذلك جمهور عربي واسع.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل الدكتور بيرج طبيب بشري فعلاً؟ وهل يجب التعامل مع محتواه على هذا الأساس؟
أولاً: ماذا تعني كلمة “دكتور”؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن كل من يسبق اسمه لقب “Dr.” هو طبيب بشري. الحقيقة أن هذا اللقب يُمنح لعدة تخصصات.
يحمل إيريك بيرج شهادة Doctor of Chiropractic (D.C.)، أي دكتور في تقويم العمود الفقري، وهو تخصص يركّز على الجهاز العضلي الهيكلي والعلاج اليدوي، ولا يُعدّ طباً بشرياً بالمعنى السريري التقليدي. فهو لم يدرس الطب البشري إطلاقاً.
ثانياً: أين تكمن الإشكالية؟
المشكلة لا تكمن في مؤهله بحد ذاته، بل في كيفية تلقي الجمهور لمحتواه. كثير من المتابعين يفترضون أنه:
-
طبيب مختص في الأمراض الباطنية
-
قادر على تقديم تشخيصات أو خطط علاجية شاملة
وهذا افتراض غير دقيق.
محتواه في الواقع يندرج ضمن:
-
التثقيف الصحي العام
-
التغذية (خصوصاً نظام الكيتو)
-
الصيام المتقطع
-
المكملات الغذائية
ثالثاً: هل محتواه مفيد أم مضلل؟
الإجابة الدقيقة: مزيج من الاثنين.
ما الذي يُحسب له؟
-
تبسيط مفاهيم صحية معقّدة
-
تشجيع تقليل السكر والأطعمة المصنعة
-
نشر الوعي ببعض أنماط الحياة الصحية
أين تكمن نقاط الضعف؟
-
التعميم في قضايا تحتاج تفصيل طبي دقيق
-
طرح بعض الأنظمة كحل شبه شامل
-
قلة الإشارة إلى الفروق الفردية والحالات المرضية
-
الاعتماد أحياناً على استنتاجات مبسطة أكثر من كونها مبنية على أدلة سريرية قوية
رابعاً: الفرق بين التثقيف والتشخيص
من أخطر ما يقع فيه المتلقي هو الخلط بين:
-
التثقيف الصحي: معلومات عامة قد تفيد في تحسين نمط الحياة
-
الممارسة الطبية: تشخيص وعلاج مبني على تاريخ مرضي وفحوصات
مشاهدة مقطع فيديو حتى لو كان دقيقاً لا تعادل استشارة طبية حقيقية.
خامساً: كيف نتعامل مع هذا النوع من المحتوى؟
بدلاً من القبول أو الرفض المطلق، الأفضل اتباع منهج نقدي:
-
التحقق من المؤهل العلمي الحقيقي
-
التمييز بين الرأي والدليل العلمي
-
عدم تطبيق النصائح العامة على حالات مرضية خاصة
-
الرجوع إلى الطبيب المختص عند وجود مشكلة صحية
خلاصة
قضية بيرج ليست قضية شخص بقدر ما هي مثال على ظاهرة أوسع:
الخلط بين “المؤثر الصحي” و”الطبيب”.
فهو يحمل لقب “دكتور” بشكل صحيح ضمن تخصصه، لكنه ليس طبيباً بشرياً، ولا ينبغي التعامل مع محتواه على هذا الأساس.
الوعي بهذه الفروقات لا يهدف إلى التقليل من أحد، بل إلى حماية المتلقي من سوء الفهم واتخاذ قرارات صحية غير دقيقة.
كلمة أخيرة
في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود،
لا تكمن المشكلة في قلة المعرفة، بل في تمييز الصحيح منها.
والقاعدة الأهم:
ليس كل من يشرح الصحة… مخوّلٌ لعلاج المرض.