الترجمة ليست استبدال كلمات بأخرى من لغة مختلفة؛ فالكلمة قد تحمل معنى يتغير باختلاف السياق والثقافة والمقام. ولهذا يمكن لخطأ صغير في الترجمة أن يحوّل سؤالاً إلى طلب، أو عبارة مجازية إلى تهديد، بل وقد يؤدي في بعض الحالات إلى عواقب سياسية أو طبية خطيرة.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك:
«سوف ندفنكم»
في عام 1956، نُقلت عن الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف عبارة شهيرة وجّهها إلى الغرب: «سوف ندفنكم». أثارت العبارة قلقاً واسعاً في الولايات المتحدة والغرب، ولا سيما في أجواء الحرب الباردة والتوتر النووي.
لكن العبارة كانت جزءاً من سياق أيديولوجي، إذ كان خروتشوف يتحدث عن اعتقاده بأن النظام الشيوعي سيبقى بعد انهيار النظام الرأسمالي، مستنداً إلى تعبير ماركسي عن أن الطبقة البرجوازية «تحفر قبرها بيديها». ولذلك لم يكن المقصود تهديداً حرفياً بالقتل والدفن، وإن كانت العبارة، حتى في سياقها، شديدة اللهجة.
«الحكومة الفرنسية تسأل» تصبح «الحكومة الفرنسية تطلب»
في عام 1830، تسببت ترجمة خاطئة لكلمة فرنسية بمعنى «يسأل» في توتر خلال المفاوضات بين فرنسا والولايات المتحدة. فقد تُرجمت العبارة التي تفيد بأن «الحكومة الفرنسية تسأل» إلى ما يفيد بأنها «تطلب»، ففُهمت الرسالة الأمريكية على أنها تتضمن مطالب فرنسية، قبل أن يُكتشف الخطأ ويُصحح.
كلمتان متقاربتان في الظاهر، لكن الفرق الدبلوماسي بين السؤال والطلب كبير.
«شهوات البولنديين» بدلاً من «تطلعاتهم»
خلال زيارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى بولندا عام 1977، أراد كارتر الحديث عن تطلعات الشعب البولندي، لكن المترجم استخدم تعبيراً إنجليزياً حمل معنى «الشهوات» بدلاً من «التطلعات». ولم تتوقف الهفوات عند هذا الحد؛ فقد تحولت عبارة كارتر عن مغادرته الولايات المتحدة في ذلك الصباح إلى عبارة توحي بأنه «غادر الولايات المتحدة ولن يعود إليها أبداً».
وهكذا تحوّل خطاب دبلوماسي إلى مادة للسخرية، لا بسبب ما قاله الرئيس، بل بسبب ما قيل إنه قاله.
«مجاري» على المريخ تصبح «قنوات»
حتى العلم لم يسلم من سوء الترجمة. عندما وصف عالم الفلك الإيطالي جيوفاني شياباريللي الخطوط التي رآها على سطح المريخ بكلمة canali الإيطالية، كان يقصد «مجاري» أو «قنوات طبيعية». لكن ترجمتها إلى canals الإنجليزية أوحت بأنها قنوات صناعية شيدتها حضارة ذكية.
وساهم هذا الالتباس في انتشار الاعتقاد بوجود حضارة متقدمة على المريخ، وأصبح من العوامل التي غذّت أدب وخيال «المريخيين» في الثقافة الغربية.
خطأ طبي بملايين الدولارات
وفي مثال أكثر خطورة، نُقل عام 1980 مريض يتحدث الإسبانية إلى مستشفى في الولايات المتحدة وهو في غيبوبة. استخدم أهله كلمة إسبانية تعني «التسمم»، لكن المترجم فهمها بمعنى «الثمالة بسبب الكحول أو المخدرات». وبناءً على هذا الفهم، اتجه الأطباء إلى تشخيص مختلف تماماً عن الحالة الحقيقية، وانتهى الأمر بإصابة المريض بشلل دائم، ثم بدفع المستشفى تسوية مالية ضخمة تجاوزت 71 مليون دولار.
هنا لم تعد المشكلة في جمال الترجمة أو ركاكتها؛ كلمة واحدة غيّرت التشخيص.
لماذا تحدث هذه الأخطاء؟
لأن المترجم لا يتعامل مع كلمات منفصلة، وإنما مع سياق. والكلمة الواحدة قد يكون لها أكثر من معنى، كما أن التعبير المجازي أو الاصطلاحي لا يجوز نقله دائماً بصورة حرفية.
وقد يكون الخطأ أحياناً في المترجم نفسه، وأحياناً في عدم معرفة الثقافة التي نشأ فيها النص، وأحياناً في افتراض معنى لم يقصده المتحدث أصلاً.
وهنا تظهر المشكلة الكبرى في الترجمة الآلية أيضاً: يمكن للآلة أن تتعرف إلى الكلمات بسرعة مذهلة، لكنها قد لا تدرك دائماً لماذا قيلت الكلمة، ولمن قيلت، وما الذي تعنيه في ذلك السياق تحديداً.
لذلك فالمترجم الجيد لا يسأل فقط: ما الكلمة المقابلة لهذه الكلمة؟ بل يسأل قبل ذلك: ماذا أراد المتحدث أن يقول؟
فالترجمة الدقيقة ليست ترجمة الكلمات؛ إنها ترجمة المعنى.