في كل عام، تتكرر الملاحظة نفسها: ازدحام مشحون، سائقون أقل صبراً، ومشادات تبدو أكثر حدّة، خصوصاً في الساعات التي تسبق الإفطار. المفارقة أن هذا يحدث في شهر يُفترض أن يكون مدرسة للهدوء وضبط النفس. فهل الصيام هو السبب؟ أم أن ما نراه نتيجة عوامل أعمق؟
الجواب المختصر: الصيام بحد ذاته لا يخلق العصبية، لكنه يضع الإنسان في ظروف تكشف مدى قدرته الحقيقية على التحكم بانفعالاته. ما يتغير في رمضان ليس “الطبع”، بل البيئة الفسيولوجية والسلوكية التي يعمل ضمنها هذا الطبع.
أول هذه التغيرات هو الانسحاب من المنبهات. نسبة كبيرة من الناس تعتمد يومياً على الكافيين، وبعضهم على النيكوتين. مع بدء الصيام، يدخل الجسم في حالة انسحاب مؤقتة خلال ساعات النهار. هذه الحالة موثقة طبياً، وتظهر بأعراض مثل الصداع، تراجع المزاج، التهيّج، وضعف التركيز. ليست هذه “عصبية أخلاقية”، بل استجابة عصبية-كيميائية معروفة.
العامل الثاني هو انخفاض سكر الدم خلال الصيام الطويل، خاصة عند إهمال وجبة السحور أو اختيار أطعمة سريعة الامتصاص. الدماغ يعتمد بشكل أساسي على الغلوكوز كمصدر للطاقة، وعندما ينخفض مستواه تتأثر الوظائف التنفيذية في الفص الجبهي، وهي المسؤولة عن كبح الاندفاع واتخاذ القرار. النتيجة ليست مجرد شعور بالجوع، بل تراجع فعلي في القدرة على ضبط النفس.
أما العامل الثالث، وغالباً الأكثر تأثيراً، فهو اضطراب النوم. رمضان يقلب جدول النوم رأساً على عقب: سهر متأخر، استيقاظ للسحور، ونوم مجزأ. الحرمان من النوم، حتى لو كان جزئياً، مرتبط علمياً بزيادة الاستجابة الانفعالية وتضخم ردود الفعل تجاه المثيرات البسيطة.
يضاف إلى ذلك التغير المفاجئ في الروتين اليومي، وما يرافقه من ضغط زمني واجتماعي، خاصة قبل الإفطار. الطرق المزدحمة، الاستعجال، والرغبة في إنجاز كل شيء قبل موعد محدد، تخلق بيئة مثالية للاحتكاك.
لكن هناك بعداً لا يقل أهمية عن كل ما سبق: التفسير السلوكي والثقافي. كثير من الناس، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، يمنح نفسه “ترخيصاً مؤقتاً” للعصبية بسبب الجوع أو التعب، بينما يفترض أن يكون الصيام تدريباً على العكس تماماً.
المثير للاهتمام أن هذه الحالة لا تستمر بنفس الحدة طوال الشهر. خلال الأيام الأولى، تكون الأعراض أوضح بسبب عدم التكيف. لكن بعد نحو أسبوع، يبدأ الجسم بالدخول في حالة توازن جديدة: يتحسن التعامل مع الجوع، وتخف أعراض الانسحاب، ويصبح الإيقاع اليومي أكثر استقراراً.
ماذا يقول العلم باختصار؟
هذه العوامل لا تعمل منفصلة، بل تتراكم، فتنتج حالة من “قابلية الانفعال” أكثر من كونها عصبية مستقلة.
كيف نقلل العصبية عملياً في رمضان؟
الخلاصة
رمضان لا “يزيد” العصبية، بل يكشفها ويضخمها تحت ظروف بيولوجية وسلوكية محددة. من يفهم هذه العوامل ويضبطها، يمر بالشهر بهدوء نسبي. ومن يتجاهلها، سيشعر أن رمضان يغيّر طباع الناس، بينما الحقيقة أنه يكشفها فقط.
وربما هنا تكمن القيمة الأعمق: الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل تجربة سنوية دقيقة لاختبار السيطرة على النفس، في ظروف ليست مثالية، لكنها واقعية تماماً.
Powered By Dr.Marwan Mustafa