كيف يتحول الإنسان إلى قاتل في الحروب؟
2026-05-31

ترجمة

 

في كل حرب تقريباً، يعود السؤال ذاته للظهور من جديد: كيف يستطيع إنسان أن يقتل إنساناً آخر بدم بارد؟ وكيف يمكن أن يصل الأمر أحياناً إلى قتل الأطفال أو المدنيين أو ارتكاب المجازر الجماعية دون تردد ظاهر؟

السؤال ليس عاطفياً فقط، بل هو سؤال نفسي وتاريخي وفلسفي أيضاً. والأخطر أن الإجابة لا تتعلق بـ"الوحوش" وحدهم، بل بالبشر العاديين كذلك.

 

الحرب لا تصنع الوحش دائماً… لكنها قد تطلقه

من السهل الاعتقاد أن مرتكبي الفظائع هم أشخاص مرضى أو ساديون بطبيعتهم، لكن التاريخ يكشف صورة أكثر إزعاجاً. كثير من المجازر الكبرى ارتكبها أشخاص عاديون: جنود، موظفون، آباء، شبان صغار، وأحياناً أناس كانت لهم حياة طبيعية تماماً قبل الحرب.

هذا لا يعني تبرئة المجرمين، بل يعني أن الظروف السياسية والنفسية والاجتماعية قادرة على دفع الإنسان تدريجياً إلى تجاوز خطوط أخلاقية كان يظن سابقاً أنه لن يتجاوزها أبداً.

 

الخطوة الأولى: نزع الإنسانية عن الضحية

لكي يصبح القتل سهلاً، يجب أولاً أن تتغير صورة الضحية داخل عقل القاتل.

لهذا السبب تستخدم الأنظمة والجماعات المسلحة لغة متشابهة عبر التاريخ:

- "حشرات"

- "خونة"

- "أنجاس"

- "إرهابيون"

- "ليسوا بشراً مثلنا"

 

حين يُختزل الإنسان إلى مجرد "عدو" بلا وجه ولا قصة ولا عائلة، يصبح قتله نفسياً أسهل بكثير.

هذه الآلية ظهرت في حروب كثيرة ومجازر متعددة، من أوروبا إلى أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. فقبل كل إبادة تقريباً، كان هناك خطاب طويل يهيئ الناس نفسياً لتقبل العنف.

 

الطاعة أخطر مما نتخيل

إحدى الحقائق الصادمة في علم النفس أن الإنسان قد يرتكب أفعالاً قاسية جداً فقط لأنه يتلقى الأوامر.

تجربة ميلغرام الشهيرة في ستينيات القرن الماضي أظهرت أن عدداً كبيراً من المشاركين كانوا مستعدين لإيذاء أشخاص آخرين بشكل خطير عندما تأتيهم الأوامر من شخصية ذات سلطة.

في الحروب، تصبح السلطة أقوى بكثير:

- قائد عسكري

- شعار وطني

- حالة طوارئ

- خوف جماعي

- وعقوبات على من يرفض التنفيذ

 

هنا يبدأ كثير من الناس بإقناع أنفسهم بأن المسؤولية ليست مسؤوليتهم الشخصية، بل مسؤولية القائد أو الدولة أو الجماعة.

 

الاعتياد التدريجي على العنف

نادراً ما يبدأ الأمر بمجزرة مباشرة.

في البداية قد يكون هناك شتم، ثم إذلال، ثم ضرب، ثم إطلاق نار على "مشتبه به"، ثم يصبح قتل المدنيين شيئاً يحدث باستمرار حتى يفقد وقعه النفسي.

العقل البشري يملك قدرة خطيرة على التكيف. ما كان صادماً بالأمس قد يصبح عادياً بعد أشهر من الحرب.

الجندي الذي يرتجف عند أول جثة قد يصبح بعد فترة قادراً على مشاهدة عشرات الجثث دون أي استجابة عاطفية واضحة. وهذا لا يعني دائماً غياب الضمير، بل أحياناً يعني أن العقل دخل في حالة دفاع نفسي وتبلد عاطفي كي يتمكن من الاستمرار.

 

الانتقام يصنع دائرة لا تنتهي

الحروب الطويلة تخلق جيلاً كاملاً يعيش داخل الألم والخسارة.

شخص يرى صديقه يُقتل، أو منزله يُقصف، أو عائلته تُباد، قد يبدأ بتبرير أفعال كان يرفضها سابقاً. ومع الوقت تتحول الحرب من صراع سياسي إلى ثأر شخصي وجماعي.

وهنا تظهر أخطر فكرة في الحروب:

"هم فعلوا ذلك بنا أولاً"

هذه الجملة وحدها كانت كافية عبر التاريخ لتبرير فظائع لا حصر لها.

 

الأطفال… الضحايا الأكثر هشاشة

قتل الأطفال يظل من أكثر الأفعال صدمة حتى داخل الحروب نفسها، لأن الطفل لا يمثل تهديداً حقيقياً غالباً.

لكن عندما يصل الصراع إلى مراحل قصوى من الكراهية والتجريد من الإنسانية، يبدأ بعض المقاتلين بالنظر إلى الأطفال باعتبارهم "أبناء العدو" أو "جيله القادم"، لا باعتبارهم أطفالاً.

وهنا يحدث الانهيار الأخلاقي الكامل.

ولهذا تعتبر القوانين الدولية استهداف الأطفال والمدنيين من أخطر جرائم الحرب على الإطلاق.

 

هل يولد الإنسان شريراً؟

حتى اليوم لا يوجد جواب حاسم.

بعض الدراسات تشير إلى وجود فروقات فردية في العدوانية أو التعاطف، لكن معظم الباحثين يتفقون أن البيئة والظروف والدعاية والخوف والجماعة تلعب دوراً ضخماً في تشكيل السلوك أثناء الحروب.

وهذا ما يجعل الموضوع مخيفاً:

الفاصل بين "الإنسان الطبيعي" و"مرتكب الفظائع" قد يكون أضعف مما نحب أن نعتقد.

 

مع ذلك… بقي بعض البشر بشراً

رغم كل شيء، التاريخ مليء أيضاً بأمثلة معاكسة.

جنود رفضوا تنفيذ أوامر القتل.

أشخاص أخفوا أطفالاً ومدنيين لحمايتهم.

أطباء ومسعفون خاطروا بحياتهم تحت القصف لإنقاذ الغرباء.

أسر اقتسمت الطعام مع أناس من الطرف الآخر.

وهؤلاء يثبتون أن الحرب قد تدفع الإنسان نحو الوحشية، لكنها لا تلغي حرية الاختيار بالكامل.

 

النهاية: أخطر سلاح ليس البندقية

في الحروب، أخطر سلاح ليس دائماً الصاروخ أو البندقية، بل الفكرة التي تجعل الإنسان يتوقف عن رؤية الآخر كإنسان.

فعندما يموت التعاطف، يصبح كل شيء ممكناً.

 

ولهذا فإن حماية المجتمعات من الكراهية والتطرف والدعاية العنيفة ليست قضية أخلاقية فقط، بل ضرورة إنسانية لمنع تكرار الكوارث التي عرفها التاريخ مراراً.

 

 

 

   
   
2026-05-31  
الوسوم: سوريا


لا يوجد تعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
500حرف